ياجوج وماجوج

13.Jul.2014  |  الكاتب: حنيفا مسلما  |  في قسم تفاسير

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد سمعنا وقرأنا قصص كثيرة عن ياجوج وماجوج ولم نرى بها إلا العنعنة ومرويات لا دليل لها ولا براهين علمية تاريخية أو أثرية تفيدنا بإظهار هوية هؤلاء الذين تم ذكرهم في عدة آيات من الكتاب الحكيم. لنقرأ سويا قول الله فيهم ونحاول أن ننظر إلى التاريخ ونبحث إن كان هناك أي شعوب أو أناس تنطبق عليهم هذه المواصفات أو الأسماء.

سورة الكهف تحدثنا عن قصة فاتح عظيم كان يتبع الأسباب التي نقلته من مغارب الأرض إلى مشارقها وفي آخر رحلاته وصل الى منطقة يوجد بها شعوب لغتهم مختلفة كليا عن اللغات التي عاصرها في حياته. وقد لاحظنا أن بعض الأشخاص التي ذكرت في القرءان لم يأتي الله بإسمها الأصلي بل بألقاب لها أشتهرت بها. مثال: فرعون (تعني البيت الكبير), طالوت (الرجل الطويل), عزيز مصر.. الخ. وكذلك نتبين أيضا من اللقب "ذو القرنين" وخصوصا من كلمة "ذو" التي تعنى "صاحب" أو "مالك" أو "الشخص المشهور بهذه العلامة والميزة" أن هذا الشخص عرفه التاريخ بصورته المتوج بها بقرنين.


هذه الصكوك النقدية من القرن الثالث قبل الميلاد عليها صورة الكسندر المقدوني متوجا بقرنين أمون دلالة في العصور القديمة على السلطة والقوة.

الغريب في قصة الكسندر أن أكثر البلدان التي غزاها في ذلك الوقت لم يحاول قطعيا أن يؤسس دولته عليها كما فعل الرومان أو الفرس على سبيل المثال, بل تركها على ما هي وأكمل رحلته التي لا زالت تحير علماء التاريخ وجعلتهم متسائلين عن الأسباب التي دعته لها. كل ما علموه أن الكسندر المقدوني إتجه أولا الى مصر حيث تقابل مع الأوراكل (الوسيط الروحي) الذي توج الكسندر المقدوني بالقرنين (قرنين أمون كما نراها في الصور الأعلى) وأمره من بعدها بالإتجاه نحو المشرق.


لقد رسمت هذه الصورة حديثا لتوضح لنا رحلة الكسندر المقدوني ولكنهم في الحقيقة لا يعرفون مدى تعمقه إتجاه الشرق وخصوصا أن بلاد الشرق أسياوية كالصين واليابان لم تكن معروفة للشعوب الأوروبية والأفريقية في هذا الزمن.

18:89 ثم أتبع سببا
18:90 حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا

المنطقة التي وصل إليها ذو القرنبن كانت تتصف بأنها غير مستورة من إشعة الشمس, فالأشجار والجبال قليلة ولكنها ليست منطقة صحراوية قاحلة. ولو ألقينا نظرة إلى بلاد الشرق ألأسياوية لوجدنا أن ثاني أكبر بلد في العالم واقل نسمة سكان نسبة لحجمها هي بلاد المغول, التي تتكون طبيعتها من سهول وتلال على مد البصر. فشعوب المنطقة لا تعتمد على الزراعة في معيشتها بل على تربية الحيوانات كالمواشي والدواجن والخيل التي كانوا يشتهرون بركوبها. (المزيد عن بلاد المغول أو الأمبراطورية المغولية)


السهول الشاسعة لبلاد المغول

18:89 ثم أتبع سببا
18:93 حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا
18:94 قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون فى الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا

لم يتوقف ذو القرنين في ذلك المكان ولكن الله وضع لنا معلومة وإشارة عن مسار هذا الشخص فقبل أن يكمل طريقه ويصل لمنطقة متواجد بها سدين من صنع البشر كان قد مر بمنطقة ذات سهول وتلال شاسعة حتى وصل الى هذا المعبر حيث وجد بعد إجتيازه شعوب غريبة لم يقدر التفاهم معها بلغته.

لقد كانت بلاد الصين تعاني منذ أمد بعيد من الهجمات المغولية المتتالية على شعوبها والتي ذهب ضحيتها الألاف ما عدى الخسائر المادية من سرقة ونهب وحرق. ولهذه الأسباب قررت بلاد الصين بناء سور عظيم يحميها من هذه الهجمات في قبيل سنة 700 قبل الميلاد حتى سنة 205 قبل الميلاد. وقد كان البناء على مراحل زمنية حتى وصل طوله الى 21.196,18 كيلو متر حسب إحصائيات عام 2012 لجمهورية الصين الشعبية. ومن بعد الحروب الضارية على بلاد الصين لم يبقى من السور إلا حوالي الـ 6,700 كلم (للمزيد عن: سور الصين العظيم)

18:95 قال ما مكنى فيه ربى خير فأعينونى بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما

كما سبق التوضيح أن أجزاء من سور الصين العظيم كانت أنذاك (بين 700 و 300 قبل الميلاد) متواجدة ولكنها كانت مبنية في المرحلة الأولى من الطين والتي أعادوا ترميمها في ما بعد (300 قبل الميلاد) وإستبدال قسم منها بالطوب عن أطرافها وفي وسطها ملئت بالردم.

18:96 ءاتونى زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال ءاتونى أفرغ عليه قطرا

وكما تبين لنا من الآبات فالسدود في هذه المنطقة كانت في الأصل متواجدة ولم تكن هي فكرة ذو القرنين. فالقوم في هذا المكان طلبوا منه أيضا أن يبنى لهم سدا كالسدين الذان مر بهما, فهم بذلك لم يطلبوا منه شيئا جديدا. لكن الطريقة التي إستخدمها ذو القرنين لتقوية ودعم السور هي أنه أتي بزبر الحديد وهي نشارة الحديد الناعمة وهي قابلة بالإشتعال بسهولة. وأما كلمة "قطرا" فهي ليست كما فسروها قديما على أنها نحاس مذاب بل هي مادة القطران (فيكيبيديا: القطران) التي كانت معروفة في قديم الزمان لدى اليونان والروم لطلى السفن وترميم الأسقف وأمور أخرى متعددة. وكما نجد الكلمة في سورة سبأ (34) الآية 12 أن مصدر القطر هي عين جوفية (...وأسلنا له عين القطر...) وانه كان يستخدم في عصر سليمان لحاجات مختلفة. وما زالت نفس الطريقة تستخدم في عصرنا هذا لتزفيت الشوارع كمادة الأسفلت التي هي أيضا مكونة من الحصى والرمال والقطران المذاب.

18:97 فما اسطعوا أن يظهروه وما استطعوا له نقبا

على ما يبدوا أن هناك محاولات ناجحة لنقب السد قبل أن تستخدم هذه الطريقة الجديدة المبتكرة من ذو القرنين ولكن من بعد ذلك لم ينجحوا بنقبه. فمادة القطران لها مزايا بأنها تتأقلم مع الطبيعة وإختلاف درجات الحرارة ولا تتشقق بسهولة مثل الطين.

18:98 قال هذا رحمة من ربى فإذا جاء وعد ربى جعله دكاء وكان وعد ربى حقا
18:99 وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض ونفخ فى الصور فجمعنهم جمعا

لقد فهم السلف من الآية 98 أن وقت ظهور ياجوج وماجوج هو نفس الوقت الذي تقوم به القيامة. لذلك نجد الكثير من المسلمين ينتظرون قدومهم ولم ينتبهوا أو أنهم في الأحرى كانوا غافلين عن الحوادث التاريخية التي تذكر المغول وهجماتهم الشنيعة على بلاد المسلمين حتى وصلوا وبغضن سنوات قليلة الى حدود أوروبا.


الإجتياح المغولي وسرعة إنتشاره بين عام 1206 و 1294

والآية 98 لم تتكلم عن يوم القيامة بالذات بل عن الفترة الزمنية التي تأتي قبل الوقت الذي ينفخ فيه بالصور. فالوعد الأول, وهو تدمير السد واقتحامه (انظر الإمبراطورية المغولية وخصوصا في بلاد الصين, بلاد ما بعد السور), ثم إجتياحهم للبلاد إتجاه الغرب وتغلغلهم وإخطلاتهم بالشعوب الأخرى. لننظر الى الآيات 96 و97 من سورة الأنبياء لتتضح لنا هذه الحقيقة أكثر:

21:96 حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون
21:97 واقترب الوعد الحق فإذا هى شخصة أبصر الذين كفروا يويلنا قد كنا فى غفلة من هذا بل كنا ظلمين

وللأسف ما زال المسلمون في غقلة عن هذه الحادثة المهولة حسب ما وصفتها كتب التاريخ.

أتراك ياجوج

شعوب ياجوج التركية كانت تعيش في الأصل في بلاد المغول القريبة من الحدود الصينية في "وادي أورخان" وذلك قبل إتحادها مع القبائل المغولية على يد "جنكيز خان" وفيما بعد أبنائه.

 


وادي أورخان في بلاد المغول

لن ندخل في هذه المقالة في تفاصيل التطور المغولي وبناء دولته اللإيلخانية على أنقاض الدولة السلجوقية التي مهدت الطريق لتسيطر على كافة المناطق الإسلامية وإعتناقها للإسلام فيما بعد وتحويلها للدولة العثمانية ليكون لها نفوذ أكبر في بلاد المسلمين التي حكمتها لأكثر من 600 عام. وقد وضعت للقارئ الروابط المهمة حتى يتمكن المهتمين في الأمر بملاحقة الأحداث في ذلك الزمن وتتاليها إن شاء الله.

ملاحظة:

لقد وضعنا موضوع آخر بعنوان "من هم شعوب الجن" المرتبط بقصة ياجوج وماجوج في هذه المقالة لمن يهمه الأمر.

الحمد لله رب العلمين

مقالات متشابهةياجوج وماجوج المغول الترك الأتراك الكسندر المقدوني جنكيز خان

أكتب تعليقك


0 تعليقات