القسم الرباني

10.Jul.2013  |  الكاتب: حنيفا مسلما  |  في قسم تفاسير

بسم الله الرحمن الرحيم

هناك عدة آيات في القرءان يأتي بها قسم من الله على أشياء ربما يكون لدينا علم بها وفي أكثر الأحيان ليس لدينا أي معلومات تفيد عن مضمونها. وقد تساءلنا عن نوعية هذا القسم وما هو الفرق بينه وبين الحلفان الذي ورد أيضا في عدة آيات, والسؤال الذي حيرنا هو:

  • لماذا يقسم الله بما خلق كالنجوم وهذا البلد وأمور أخرى سيأتي سردها؟
  • والسؤال الذي كان أكثر حيرة هو لماذا تفسر بعض الآيات التي يوجد بها نفي في القسم "لا أقسم" على أنها إيجابية بما معناه "أنا أقسم"؟

فالقرءان يسير للفهم بلسان عربي ولا يقبل تناقضا, فما هو المغزى من القسم وما هو مفهومه القرءاني؟
 

التقسيم

نحن نعلم أن الفعل "قسم" يدل على تجزيئ شيئا ما وتوزيعه إلى عدة فئات أو على عدة أشخاص كما هو مستخدم في الحساب بشكل خاص. فالقسمة هي المصطلح الرياضي المعروف وقد أتى ذكره في عدة آيات مثال قسمة الميراث الذي يتركه الميت من أموال وحلى لأهله أو قسمة الموارد الطبيعية بين أهالي المنطقة ألخ.

4:8 وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتمى والمسكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا
----------------------
15:44 لها سبعة أبوب لكل باب منهم جزء مقسوم
----------------------
43:32 أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجت ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون
----------------------
53:21 ألكم الذكر وله الأنثى
53:22 تلك إذا قسمة ضيزى

----------------------
54:28 ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر

 

تقاسم الأفكار أو النوايا

نجد في القرءان أن القسمة ليست محظورة فقط على تقاسم الأشياء المادية بل قد تكون فكرة أو رأي يجتمع عليه بعض الناس. فعلى سبيل المثال نجد في الآية 7:21 أن الشيطان قاسم آدم وزوجه بالإفك الذي أتى به لهدف التشكيك بأمر الله:

7:20 فوسوس لهما الشيطن ليبدى لهما ما ورى عنهما من سوءتهما وقال ما نهىكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخلدين
7:21 وقاسمهما إنى لكما لمن النصحين

 

القسم والحلفان

طبعا هناك فارق بين القسم والحلفان حتى لو تقاربت معانيهما على العرب وخصوصا المسلمين ولم يفرقوا بينهما. فالحلفان نجده في 13 آية وهو محاولة تصديق وتثبيت حدث ما ويكون شهادة فردية ليس لها شاهد أخر إلا الله إن كانت صادقة. ولكن هذا النوع من الحلفان نجده في معظم الآيات القرءانية سلبي ومرفوض لتساهل الناس به وإستخدامه لأكاذيبهم (أنظر الآيات).

68:10 ولا تطع كل حلاف مهين

فالحلفان هي شهادة كذب لصاحبها أكثر من أن يكون لها أية مصداقية. وأما القَسم فهو مبني على شهادة لأمر ما ويكون مقسم على شخصين أو أكثر ويجب على حامل كل قِسم منها التصريح بها حين الطلب والضرورة. وهم بهذه الحالة قد عاهدوا الله أن يقوموا بالشهادة ولا يكتموها أو يحرفوها مقابل المال أو المصالح الخاصة.

5:106 يأيها الذين ءامنوا شهدة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو ءاخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصبتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهدة الله إنا إذا لمن الءاثمين
5:107 فإن عثر على أنهما استحقا إثما فءاخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأولين فيقسمان بالله لشهدتنا أحق من شهدتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظلمين

 

ويكون القسم في بعض الأحيان عهدا يقوله شخص أو أشخاص يشهده جمع من الناس ولا مجال لنفيه أو الإدعاء بأقوال مختلفة:

5:53 ويقول الذين ءامنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمنهم إنهم لمعكم حبطت أعملهم فأصبحوا خسرين
6:109 وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن جاءتهم ءاية ليؤمنن بها قل إنما الءايت عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون
7:49 أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون
14:44 وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال
16:38 وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون
24:53 وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون
30:55 ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون
35:42 وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا

 

قسم الله

كما قلنا سابقا بأن السلف فسروا العبارة المؤلقة من كلمتين "لا أقسم" على أنها قَسَمٌ بحد ذاته, بمعنى "لأقسم" متجاهلين الفراغ بين حرف النفي "لا" وكلمة "أقسم". ولو أخذنا بالأعتبار أن ما يقولونه صحيح فسيكون للآية 24:53 مفهوم مختلف تمام عن ما أمر به الرسول:

24:53 وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون

نرى أن المنافقون هنا يريدون أن يوهموا الرسول بقسمهم وأنهم سيقفوا بجانبه في وقت العسرة. ولكن الله أمر رسوله بأن يقول لهم أن لا يقسموا أمام الجمع (طاعة معروفة). وفي هذا نرى أن مفهوم المفسرين لا ينطوي على هذه الآية فهو لا يقول لهم "لتقسموا". ولو بحثنا أيضا عن حرف النفي "لا" لوجدناه في القرءان أكثر من 700 مرة وهو لا يتغير بمفهومه. فما هو السبب الذي جعلهم لا يقلبون النفي إلا عند ظهو قسم الله ويعكسون المعنى كليا؟ ولو فهمنا أن القسم هو الحلفان كما يعتقد البعض فهل من المعقول أن يحلف الله بأمور خلقها بنفسه؟

لنبدأ بسورة المعارج الآية 40:

70:40 فلا أقسم برب المشرق والمغرب إنا لقدرون
70:41 على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين
70:42 فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلقوا يومهم الذى يوعدون

عندما نقول أن القسم هو طاعة معروفة كما وردت في الآية 24:53 فيجب على حامل القسم أن يقوم بعمله كما أعلن عنه ويوفي قسمه. نحن لا نعلم من المتكلم في الآية 40 ونعتقد انه جبريل عليه السلام بما إنه الرسول المكفل بتوصيل الرسالة للنبي. على أية حال فالشخص المتكلم في الآية يوضح لنا أن لهم القدرة على تبديل المشركين بأناس خير منهم ولكنهم لن يفعلوا هذا الأمر وسيتركونهم يخوضوا ويلعبوا حتى يومهم الموعود. ولهذا السبب لا يقدر الشخص المتكلم في الآية 40 أن يقسم شيئا لن يفعله في الأصل. ولكن حين يأتي أمر الله بالمشركين فسيكون المتكلم (في الآية 40) هو ومن معه أول من يقوم بهذا العمل وينفزوا الأوامر (وما نحن بمسبوقين).

75:1 لا أقسم بيوم القيمة
75:2 ولا أقسم بالنفس اللوامة

هل أحد يعلم متى يوم القيامة؟ وهل أحد يعلم من هو الذي سيلوم نفسه على ما فعل في ماضيه؟

بالطبع لا, فالله ليس بحاجة أن يقاسم هذه الأمور مع عباده ولن نقدر أن نحيط بها, لأنه هو الوحيد الذي يرى ما في النفوس وهو الذي يحكم بهم في هذا اليوم العظيم وهو خير الحاكمين. ولكنه يقول لنا أن هذا اليوم أت بالتأكيد وسيأتيكم بغتة وأنتم لا تعلمون متى.

عظمة الله

في مجموعة الآيات التالية نجد أمور مختلفة قد ذكرت لنا ولكننا كبشر لم ولن نستطيع حتى أن نتخيل بالإحاطة بها. فالله عز وجل قاسمنا أمور كثيرة نقدر كبشر على إستيعابها ودراستها ولكننا لم نؤتى من العلم إلا قليلا وهذا القليل هو وحده كثيرا علينا.

56:75 فلا أقسم بموقع النجوم
56:76 وإنه لقسم لو تعلمون عظيم

----------------------
69:38 فلا أقسم بما تبصرون
69:39 وما لا تبصرون

----------------------
81:15 فلا أقسم بالخنس
81:16 الجوار الكنس
81:17 واليل إذا عسعس
81:18 والصبح إذا تنفس

----------------------
84:16 فلا أقسم بالشفق
84:17 واليل وما وسق

فما هي مواقع النجوم.... ونحن لا نسأل بل ننظر بدهشة عاجزين على أن نصف ما نرى من صور وصلتنا حديثا للمجرات والكواكب والنجوم التي لا تحصى وهذا فقط الجزء القليل الذي نبصره وتبقى أجزاءا كثيرة لا يصل البصر إليها. وما هم الخنس الجوار الكنس وهل الشفق هو ما فسروه السلف وما هو الليل وما يحمل في طياته. أسألة لا ينفع السؤال بها ما دامت تفوق طاقتنا وأمكانياتنا المحدودة.

90:1 لا أقسم بهذا البلد
90:2 وأنت حل بهذا البلد

وقد تساءلنا أيضا ما هو المقصود في سورة البلد فهل هو المقصود أن الله يحلف بهذا البلد الذي يتواجد بها الرسول أو أن المقصود شيئا مختلف كليا؟ فقد تبين لنا أن هذه السورة مكية أي حين كان الرسول ما زال يقطن بمكة ويعاني هو ومن معه من أهلها الظلم والملاحقة وكان يجب عليه الهجرة منها. فالآيات تأمره بالأحرى أن يخرج منها وأنه لن يكون بعد هذه السورة أي مقاسمة له ولمن معه من الوحي حتى يتركوها متجهين نحو المدينة. ولو تمعنا بتكملة هذه السورة فسنجد أنها تصف أناس يملأهم العند والكبرياء ولم يبقى مجال بالتفاهم معهم والبقاء بينهم.

89:1 والفجر
89:2 وليال عشر
89:3 والشفع والوتر
89:4 واليل إذا يسر
89:5 هل فى ذلك قسم لذى حجر

من بعد أن فهمنا وعلمنا أن القسم هو الإخبار والإعلام عن شيء ذو أهمية كبيرة توقفنا عند الآية رقم 5 من سورة الفجر نعيد ونردد أول خمسة آيات حتى تفاجأنا بمعلومة أذهلتنا لم تكن واضحة لنا من قبل. وأنا أترك لكم التفكر بهذه الآيات الخمسة عسى أن نقربوا بأنفسكم منها رشدا. وأنا لا أريد تعقيد الأمور عليكم بل لأني أعتقد أن هذه الآيات يجب أن تكون في موضوع خاص بها. وهنا تجد البحث كامل (النسيء في القرءان).


الحمد لله رب العلمين

مقالات متشابهةقسم حلفان القسم الرباني